محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

14

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

النظر السابع : وهو أوَّلُ الجوابِ بطريق التحقيق دونَ مُجَرَّدِ المعارضة ، وذلك أن نقول : ليس الحِبْرُ البرَّاق يُسمَّى علماً ، ولا المجلداتُ والأوراق تُسمَّى اجتهاداً ، وإنما العلمُ الذي في الصدور ، لا الذي في المسطور ، ومحلُّ الاجتهادِ في القلوب لا في الكاغَدِ المكتوب ، فكيف يلزم أن يُقال - إذا سُرِقَتْ كُتُبُ العالِم - : إنَّه سُرِقَ عِلْمُهُ ، واغتُصِبَ ، ومُنِعَ منه ، ونُهِبَ ؟ . ومتى صح أن علم المجتهد هو مجموع العفص ( 1 ) والزاج ، والجلود والأوراق حتى إذا سُرِقَتْ ، لزم أن يُسْرَقَ علمه ، وإذا اغتُصِبَتْ ، وَجَبَ أَن يُغْتَصَبَ اجتهادُه ، فإن كان السيدُ ادَّعى أنه ما درى كيف يُقال ، ولا عَرَفَ ما العبارةُ في تلك الحالِ ، فهذا تعنُّتٌ شديدٌ ، ونزوح عن الإنصاف إلى مكان بعيد . وأظرف السوقة يعرف أنَّه يقال : سُرِقَتْ كُتُبُه ، واغتصبت منه ونُهِبَت . وهذه العبارة كافية في هذه الواقعة متى وقعت ، ولم يَزَلِ الناسُ يعَبِّرُونَ بها ، وما عَلِمْنَا أنَّ أحداً من أهل اللغة العربية ولا مَنْ قبلَهم ، ولا مَنْ بعدهم مِن جميع الملل والنحل والمذاهب والفِرَقِ في قديم الزمان وحديثِه إذا ضاع لَهُ كِتَابٌ ، قال : مَنْ وَجَدَ عِلمي ، فإنه ضلَّ عنِّي ، ولا إِذا اغتُصِبَ عليه كتاباً يقول : فلان اغْتَصَبَ اجتهادي ، ولا انتهب فنّي . وكذلك مَنْ وجد كتاباً ضائعاً ، وأراد التعريفَ به ، فإنه يقول : مَنْ ضاعَ له كتاب ونحو ذلك مِن معروف الخطاب ، ولا يقول : من ضاع له علم ، ولا مَنْ سَقَطَ عليه اجتهاد . وهذه التعسُّفَاتُ في العبارات والأساليب المبتدعات لا تُفيد العلم لمن نظر فيها طالباً للهدى متثبتاً ، ولا يأتي بخير

--> ( 1 ) العفص : ثمر شجر البلوط يتخذ منه الحبرُ والصبغ ، والزاح : فارسي معرب ، قال الليث : يقال له : الشبُّ اليماني ، وهو من الأدوية ، وهو من أخلاط الحبر .